على بُعد بضعة مبانٍ من فندق ((Spanish steps)) في الشارع المُتَّجه من (بياتزا ديل بولو)، في شقة تقع في مبنى تاريخي وقفتُ أتأمَّل شوارع روما، وأفكِّر في سكّانها ومطاعمها الفاخرة، تذوَّقت مختلف أنواع (السباغبتي) و(التيراسيمو) ومختلف أنواع البيتزا في رحلتي عبر رواية (طعام.. صلاة.. حب)، التي أخذتْني إليها الروائية الأمريكية إليزبيث جيلبرت، لم تتوقَّف الرحلة عند إيطاليا فقط، ولكن انتقلتُ بعد ذلك إلى الهند، لأستمِع إلى مختلف الترانيم الهندية وأراقِب بدهشة ملابس النِّساء الغريبة، وأتأمَّل خلال جلسات اليوغا، انتقلْنا بعد ذلك إلى إندونيسيا، تحديدًا إلى جزيرة بالي، كنت أتمنَّى أن تصحَبني أيضًا إلى فرنسا، فلطالما حلمتُ بزيارتها، ولكن زيارتي إلى فرنسا كانت بعد عدة سنوات من تلك الرحلة، وكانت فريدة من نوعها، مختلفة تمامًا عما كنت أحلم به، كانت زيارة إلى مدينة (كان) في فترة مهرجان (كان) السنوي الذي يحضُره المشاهير من كافة أنحاء العالم، ولم تكن تلك الرحلة لرؤية أعمالهم الفنيَّة، ولا لحضور حفلة تكريمهم، ولكن لمُراقبة الجرائم التي يرتكِبها البطل الذي تركتْه زوجته ليبقى وحيدًا، فقرَّر قتْلها، فقتَلها في المهرجان، ولم يبقَ وحيدًا أبدًا؛ فهمومه وجرائمه تلاحِقه في عقله، إتقان في الجريمة، وخُطط مدَبَّرة، وبعضها عفوية، في رحلة مدهِشة اصطحبَني إليها باولو كويلو، عبر روايته: “الرابح يبقى وحيدًا”.
وفي أجواء عربية أوروبية رأيتُ القدْر الهائل من الانحطاط الأخلاقي والديني، لم أكن أتوقَّع وجوده لمسلمة لم تعرِف عن الإسلام شيئًا، فتركتْه واعتنقَت اليهودية لتتزوَّج يهوديًّا، باعت لأجله أهلها ووطنها ومبادئها وأخلاقها، والأهم من ذلك دِينها، انحطاط يجرُّه انحطاط، ونزول عبر خطوات الشيطان لأدنى المستويات الإنسانية – أو بالأحرى: الحيوانية – في رحلة عبر كتاب: “أمينة المفتي، أوراق منسيَّة”؛ لفريد الفالوجي، الذي يكشِف مذكِّرات أخطر جاسوسة عربيَّة للموساد.
مواقف رائعة وبعضها مضحِكة لأشخاص متعدِّدين من مناطقَ وأزمانٍ مختلفة، يقصُّها لنا الدكتور محمد العريفي في كتاب: “استمتِع بحياتك”، ويكشِف أخلاق التعامل وكيفية كسْب قلوب الناس.
وفي كتاب دسِم جدًّا مقارنة بما تعوَّدت قراءته، سافرتُ إلى العصور القديمة؛ لأشاهِد دولة إسلاميَّة عظيمة نهضتْ ثمّ سقطت – ويا ليتها لم تسقُط! – عبر رحلة أقل متعة، ولكنَّها أكثر فائدة خلال كتاب: “الدولة العثمانية: عوامل النهوض، وأسباب السقوط”؛ للدكتور علي الصلابي.
رأيت الكمَّ الهائل من الكتب التي حرَقها النصارى في غرناطة، تألَّمت من قوانينهم التعسُّفية التي فرَضوها على المسلمين وإجبارهم على ترْك الإسلام، بكيتُ لموت سليمة وسعد، حزِنت لمآسٍ مريرة، قرأت الأمل في عيني علي، سكَنت البيازين بقلبي وعقلي، كل ذلك حدَث أثناء قراءتي لرواية: “ثلاثية غرناطة”؛ للكاتبة رضوى عاشور، التي تصوِّر لنا الوضع الصَّعب الذي عاشَه المسلمون في غرناطة.
أقبَع في غرفتي معظم الوقت مُنعزِلة عن العالم وما يدور به، لم أسافر كثيرًا، ولم أرَ أوربا، ولم أُعايش العظماء ولا القادة ولا المجرمين؛ ولكني عبر القراءة أتجوَّل في عوالم مختلفة كثيرًا عن عالمي، وفي كل جولة أخرُج بفوائدَ جمَّة، وفي معظم الأوقات تتَّسِع آفاقي وأنظر للعالم بنظرة مختلفة، وآخذ دروسًا من تجارِب لم أخضْها، حتى أضحت القراءة شيئًا أساسيًّا في حياتي لا أستطيع الاستغناء عنه، بها أضحَك وبها أبكي، وبها أرى الحياة، وحين أنظُر إلى حياتي أراها ضيِّقة والقراءة لا توسِّعها وتُزهِرها فقط، بل تُضيف إلى حياتي الكثير من الحيوات، فأصبحت “أُحب الكتب؛ لأن حياة واحدة لا تكفيني”؛ كما قال عباس محمود العقاد.