تأرجح زكرياً يميناً ويساراً وهو يعبر الطريق المؤدي إلى البنك، فقد تضاعف حجم كرشه ثلاثة أضعاف بعد صفقة رابحة أقامها ليلة البارحة، ظلّ طيلة الطريق ممسكاً كرشه بيده، ورأسه باليد الأُخرى، فحتى رأسه لم يبقَ على حجمه الطبيعي، بل طال كثيراً بعد كميّة الشهادات التي حصل عليها والكتب التي قرأها واللغات التي أصبح يتحدّث بها، أعلى ظهره أيضاً لما يكن أقل حجماً من رأسه وكرشه فقد تقوّس كثيراً إلى الخارج ساحباً معه أكتافه، ولا زال حجمه يزداد مع ازدياد الهموم الناتجة عن كثرة أمواله وعلمه، أمّا مؤخرته فقد التصقت بعظامه، فكثرة أملاكه وهمومه جعلته لا ينال حظاً كافياً من النوم والراحة، مما جعل مؤخرته تصغر.
تقاطع عبوره الشارع تلك اللحظة مع عبور ربيع، كرش ربيع ورأسه متوسط الحجم، أقل بكثير من حجم كرش ورأس زكريا، أمّا أعلى ظهره فقد كان منتفخاً كثيراً، فقد كثرت همومه الناتجة عن فقره وجهله، اللذان يسعى كثيراً لاستبدالهما بالغنى والعلم، وقد أدى سعيه ذلك إلى وصول كرشه ورأسه إلى حجمٍ معقول، لازالا بحاجة إلى المزيد.
أثناء عبورهما فتح وهيب باب منزله المقابل لذلك الطريق، ليذهب إلى العمل، نظر إلى الرجلين وحالتهما، اشمئز من المنظر، تلفّت يميناً ويساراً على امتداد الشارع، وقعت عيناه على صاحب البقالة المقابلة، وعلى سائق تاكسي مرّ بطيئاً، وعلى امرأة تمشي برفقة طفلتها. كل واحدٍ منهم كان يحمل ثقلاً على بطنه أو فوق رقبته أو أعلى ظهره.
تحسس جسده بيده، هو أيضاً لديه انتفاخ أعلى ظهره وكرش، لا شيء فيه بحجم معتدل سوى رأسه، تساءل: “إلى متى سنظل جميعاً على هذا الحال؟”
عاد إلى منزله وصفق الباب بقوّة، نظر إلى كرشه لابد وأنه منتفخ قليلاً بسبب المال الذي أصبح يكتسبه كل يوم، نظر إلى أعلى ظهره لابد أنه منتفخٌ بسبب هموم مسؤولية أمه وأخواته التي يحملها على عاتقه، “لم كلّ هذا؟”
حمل الهاتف وأجرى اتصالاً مسرعاً إلى ربّ عمله: “أنا أستقيل، لن أعمل معك بعد اليوم” أغلق الهاتف منتشياً، نظر مجدداً إلى المرآة سحب كرشه الى الداخل ثمّ ربّت عليه بكفه قائلاً: “قريباً سيصبح حجمك معتدلاً”، حمل الهاتف مجدداً واتصل بوالدته: “أنا لستُ مسؤولاً عنكم بعد اليوم، لقد تركت العمل وأُعلن تركي لكنّ، لقد سئمت حمل مسؤوليتكن كل هذه السنين” نظر مجدداً إلى المرآة، تحديداً إلى أعلى ظهره، ابتسم وهو يتخيّل كيف سيصبح حجمها بعد أن تخلّى عن همّ المسؤولية.
عاد مسروراً إلى سريره واستلقى عليه، ولم يستيقظ إلا اليوم التالي، بعد استيقاظه نظر إلى نفسه في المرآة، رأى أن الانتفاخ في أعلى ظهره قد ذهب وبقي ظهراً مستقيماً استقامة فاتنة دفعته للشعور بالعجب، ألقى بنفسه على الأريكة فخوراً وبقي أمام التلفاز طيلة اليوم مسترخياً سعيداً بقراراته الجديدة، ثمّ غط في سباتٍ عميقٍ إلى اليوم التالي، نهض ووجد أن كرشه قد أختفى، ولم يبقَ في بطنه سوى القليل من الشحوم الطبيعية، فرح فرحاً شديداً، نظر مجدداً إلى المرآة، خرج من المنزل يمشي متبختراً، طاف بالأسواق والمقاهي وكل التجمعات مستعرضاً هيئته الجديدة التي لا يملكها أحدٌ سواه، نظر إلى الباعة والبنائين والتجار والأطباء والصحفيّين، وهم يمشون ويعملون ويتعرّقون، منهم من يحمل في بطنه كرشاً كبيراً ومنهم من ارتفع رأسه وكاد أن يداعب السحاب ومنهم من امتد أعلى ظهره فأصبح مثل سنام الجمل، ومنهم من امتلك كلَّ ذلك.. إلا هو فقد كان مثالياً جداً..
عاد إلى منزله مكملاً نومه في فرحٍ وسرور، ولم يستيقظ إلا مساء اليوم التالي، فور استيقاظه فتح عينيه وجلس، حاول النهوض، لم يستطع، حاول أن يهز جسده من السرير لم يستطع أيضاً، شعر بشيء أسفله غير طبيعي، تحسس بيديه، فإذا هي مؤخرته قد كبر حجمها كثيراً وثقلت للدرجة التي أصبح من غير الممكن تحريكها، حاول التزحزح يميناً، حاول التزحزح يساراً دون فائدة، فقد بقيت مؤخرته الكبيرة راسخة في مكانها رسوخ الجبال.
قصة رمزية معبرة، شكرا للكاتبة أرياف التميمي.
الشكر لكِ عزيزتي عيشة