على أرض غير مستوية يسمّونها طريقًا، تعثّرت رجلا طفلٍ كان يجرّهما بين الحجارة، ظل لخمس دقائق مرميًا يفكّر في الجدوى من النهوض، أخيرًا نَهَضَ، لا لأنّه وجد جدوى، بل لأن بقاءه هُناك لم يكن مسليًا بأي حالٍ من الأحوال.
فور وقوفه، مرّت سيارة من ماركة برادو بيضاء، طارت من النافذة علبة بيبسي فارغة، ارتطمت على الجهة الأخرى من الشارع محدثة صوتًا دفع الطفل للتفاؤل.
حدّق في السيّارة وهي تبتعد، فكّر كم سيحصل بالمقابل إذا امتلكها وباعها لصاحب الخردوات.
أفلت حبل طموحاته المهترئ، واستبدله بحبل طموحات متين ممتد إلى العُلبة، مشى ببطء باتجاهها، أخذها، شرب ما تبقى بداخلها، وضعها في كيسه الفارغ، مضى يخيط الشارع باحثًا عن غيرها، أدرك أنّه قد تأخر، وأنّ جامعي العُلب قد مرّوا قبله ولم يتركوا له شيئًا.
رأى طائرًا صغيرًا يقفز على رجليه باحثًا مثله عن ما يبقيه على قيد الحياة، التقط بعض الحجارة، حاول اصطياده، طار، بحث عن غيره، نسي مهمته في جمع العُلب، أخذ يركض ويلقي بالحجارة في محاولات لاصطياد الطيور، قادته رحلة الصيد القصيرة إلى أحد الأزقة الممتلئة بمخلفّات البشر، بدأ يركل برجليه كل ما يقع أمامهما، لعلّه يجد ما يُباع لتاجر الخردوات، وجد نصف سيارة بلاستيكية، التقطها، تراجع قبل وضعها في الكيس وقرر أن يلعب بها قليلًا، وضعها على الرصيف، أخذ يحركها إلى الأمام، بينما يأتي صوت ماكينتها من فمه، ابتعدت غيمة من السماء، فسلّطت الشمس حرارتها مباشرة على جمجمته، بدأ دماغه بالغليان، انسحب إلى ظل البناية التي كان يجلس على رصيفها، برفقة السيارة اللعبة التي أصبحت كلّ ما يملك مع علبة البيبسي.
أعاد ظهره إلى الخلف إلى أن التصق بجدار البناء، قطع الظل جسده إلى نصفين، أحدهما يحاكي واقعه الحقيقي والآخر يحاكي عالمه الموازي.
ترك سيّارته بجانبه تؤانسه ويؤانسها، رفع كيسه الفارغ سوى من علبة البيبسي، أخرج العلبة، تحسسها بيديه، سمّر عينيه على الكلمات المطبوعة، تمنّى لو بإمكانه قراءتها.
- اتركني!
سمع صوتًا آمرًا، التفت مسرعًا، لم يجد للصوت مصدرا.
- قُلتُ لك اتركني.
- من أنت؟
- أنا العُلبة.
شخص بعينيه إلى علبة البيبسي، رماها مندهشًا.
- لماذا رميتني في هذا المكان القذر.. هيا ارفعني.
اقترب منها.
- هيّا بسرعة، ارفعني
رفعها مسرعًا، ابتسم وأخذ يفركها.
- ما هذا الذي تفعله؟
- هيّا اخرج.
- أخرج؟؟
- هيّا اخرج من الداخل.
- أي داخل؟!
- ألستَ جنيًا؟
- وهل تراني مصباحاً؟
- من أنتَ إذاً؟
- أنا العُلبة نفسها.. لا شيء بداخلي.
- إذاً لن تتحقق لي ثلاث أُمنيات؟!
- أي أُمنيات أيها البائس! مثلك ينبغي ألا تكون له أُمنيات.
- (…)
- لا تتعب نفسك بالأماني، فمن كانت له أمنية من أمثالك لم تتحقق له أي منها.
- ماذا؟!
- مثلما سمعت.
- بل ستتحقق أمنياتي يومًا ما.
- حسنًا، سنرى.. هل من الممكن أن تضعني في مكان نظيف يليقُ بي.
- ماذا؟
- هل تتوقع منّي أن أُعيد نطق كل جملة أقولها؟؟
- لن أتوقّع ذلك إذا تحدّثتِ معي بشكل أوضح.
- وهل هُناك أوضح مما أقول؟ هيّا ضعني في مكان نظيف يليق بي، لقد سئمت قذارة كيسك ويديك.
- قذارة! ألا تعلمين أنّ مصيرك القمامة!
- لا.. ليست مصيري.. بل هي مصيرك أنت أيها البائس.. أما أنا فمصيري المصنع.. حيثُ سيعاد تشكيلي لشيء آخر لا يقل أهمية عن شكلي الحالي.
- وهل تضمنين أنّ ذلك الشيء الآخر لا يذهب إلى القمامة أيضًا؟
- لا إطلاقًا.. فأنا مكاني ليس القمامة.. صحيح أنّي قد أمر بها في إحدى محطاتي.. لكنّي لا أبقى فيها.. ألم ترَ مقدار سرعتك عندما التقطتني بعد أن تمّ رميي من نافذة السيارة.. أنا لا أُترك مثلك ملقاة إطلاقًا.
- يا لغرورك! ألا تعلمين أنّي إن أخذتك الآن إلى تاجر الخردوات لن يعطيني ولا فلسًا واحدًا مقابلك.. لن يقبل بكِ إلا إذا أحضرتُ الكثير مثلك..
- وأنت هل تعلم ما هي قيمتك عند تاجر الخردوات أو غيره، حتى لو كان معك الكثير من أمثالك! لن يتم قبولك ولا بمقابل ربع فلس، لا عند تاجر الخردوات ولا في أيّ مكانٍ آخر.
- لكنني بشر.. هذا يكفي!
- هاها! وما هو الشيء القيّم في كونك بشر! أنت مكوّن من لحم! واللحم لا منفعة منه غير الأكل! ولحوم البشر لا تؤكل.. لذلك لا تباع.. يا عديم القيمة.
- لماذا تتحدثين معي بتعالٍ هكذا؟
- لا أتحدّث معك بتعالٍ، أنا أقول الحقيقة فقط، هذا كل ما في الأمر.
- حقيقة! لا أحد يعلم بالحقيقة غيري يا عزيزتي، سأخبرك أنا بالحقيقة: أنا من يجب أن يتعالى عليكِ وليس أنتِ، فأنتِ لا تملكين حتى القدرة على النطق.
- لكنني أتحدّث إليك الآن، ألا تسمعني؟؟
- لا، لا أسمعك، أنتِ لا تتحدّثين، كل ما أسمعه هو ما استنطقتكِ إياه، أنا من جعلكِ تتحدثين وتقولين ما أردتُ لكِ أن تقوليه.
- ما تقوله هُراء!
- هل تريدين أن أثبت لكِ ذلك؟
- لن تستطيع.
- هل تُريدين الغناء؟
- ما دخل الغناء الآن؟
- إذاً أنتِ لا تُريدين الغناء، لكنني سأجعلك تغنّين لكي أُثبت لكِ أنّني من استنطقك، وأنّي من يقرر ما تتفوّهين به.
وضع الطفل العلبة بجانب سيّارته البلاستيكية، وقف وسار إلى وسط الزقاق، أخذ يرقص على أنغام أُغنية أحمد فتحي القادمة من عُلبة البيبسي:
“سمارة يا سمارة.. سمارة يا سمارة.. مسكين الغريب وحده.. أوه يا الله.. قعد وسط المدارة وزيّدها بما عنده.. اوه يا الله”.