قبل البارحة:
لم تمض ثلاث ثوانٍ على إغماض عيني حتى طرق على بطن الحوت صديقي قالوس، ابتلع أحد أبنائي بينما كان يخبرني بأن المدير يطلبني في مهمة مستعجلة!
لبستُ إزاري المصنوع من خيوط الحمم البركانية، ولأن المسافة بعيدة بين أعماق المحيط الأطلسي وباب اليمن فقد استغرقت ما يقارب الثمان ثوانِ حتى الوصول!
طلبت مني سكرتيرة المدير أن أدخل إليه داخل أحد التنانير التي يتواجد فيها، عندما فعلت رشني بقطرات ماء عقابًا لي على التأخير، جلس على كرسيه بجلسته الممشوقة المعتادة بينما تقوم خادماته التسعين بتدليك ظهره العاري بمكعبات الجمر.
قال لي جملته التي يقولها لي كل يوم: “لديك مهمة مستعجلة اليوم”. ثم تابع: “امرأة تريد لرجل تحبه أن يطلّق زوجته ويتزوجها هي، وهما يتشاجران الآن -أقصد الرجل وزوجته – هيّا خذ العنوان، واذهب إليهما فورًا وفرّق بينهما”.
أخذتُ العنوان وانطلقت، تمنّيت لو كان للمدير مهمة أكثر إثارة هذه المرة، لكن يبدو أنّ المهام المثيرة قد ولّى زمانها، فلم يعد يذهب إلى السحرة سوى العاهرات.
وصلتُ إلى الرجل، وجدتُ الجدال مشتعلًا، جلستُ على كتفه، أشعلت سيجارة، مررتُ أصابعي بين خصلات شعره باحثًا عن أفكاره ومشاعره ونواياه، فانسابت جميعها من مسامات ذلك الشعر اللزج؛ الرجل يعشق المرأة التي أتت إلى الساحر، الرجل يريد التخلّص من زوجته بأي طريقة، جميل! المهمة ستكون سهلة إذاً.
تركت كتف الرجل واتجهت إلى كتف المرأة، وقرأتها هي أيضًا؛ هي تحب زوجها، لا تريد فراقه، تحب الأسرة، وتؤمن بضرورة الحفاظ على العلاقات الزوجية، و.. لم أستطع قراءة المزيد، أفكارها ونواياها أثارت اشمئزازي.
هربت مسرعًا وعدت إلى كتف الرجل، فهو أسهل، أشعلت بسرعة سيجارة ثانية نفثت دخانها ثمّ غرستها في قلبه مباشرة، انتفض غاضبًا بينما انتفضتُ فرحًا وهمستُ في أُذنه: “ذكّرها بتقصيرها في تنظيف ملابسك”، استجاب لي مباشرة.. استمتعت باللعبة:
“ذكّرها بيوم الأربعاء الذي مضى قبل خمسة عشر عامًا عندما خرجت من البيت دون إذنك ذكَّرها”!
صمتُ قليلًا ثمّ حدّثته: “في الأساس هي عصبية وليست جميلة ولا تُجيد الإغراء، كما أنّ أمها مزعجة”.
رأيتُ الشرر يتطاير من عينيه، أمسك بحافة الطاولة التي بجانبه بشدّة، ارتجف، تساقط رماد السيجارة الثالثة من يدي على الأرض، وأخيرًا خرجت الكلمات من فمه تتزاحم: “أنتِ طالق، طالق، طالق”.
وضعتُ قبلة على رأسه، ثمّ احتضنتُه، عُدتُ إلى بيتي لأستريح في بطن الحوت في أعماق المحيط الأطلسي، بعد أن أخذتُ أُجرتي من المدير.
البارحة:
كانت المهمة صعبة، أخ يريد لأخيه أن يجنَّ ويتشرد ليتمكن هو من الحصول على ورث أبيه المريض كاملًا.
جلستُ على كتف الأخ، أشعلت السيجارة، مررت أناملي بين خصلات شعره شديد النظافة، كم كان ذلك مقززاً! بدأتُ بقراءة أفكاره، انتفضت وقفزت من كتفه، أفكاره سيئة، يريد لأبيه أن يشفى! يتمنّى الخير لشقيقه، يؤمن بالله، وبالقضاء والقدر، كيف أجعله يُجنَّ إذاً؟!
لم أستطع البقاء قريبًا منه، لذلك ابتعدت وناديته بصوتٍ عالٍ: “إذا توفي أبوك ستحصل على الورث”.
لم يأبه بي، رفعتُ صوتي أكثر، قفزت فكرة من رأسه قائلة: “الأرزاق بيد الله، وروح الإنسان أهم”.
ابتعدت عنه، فركتُ يدي، خرج من المنزل يحمل بيده علبة ماء بغيضة، تبعته من بعيد، وددت لو أرحل وأتركه، لكن المدير لن يدعني أنفذ بفعلتي، لحقته.. كيف أتمكن منه؟ كيف أجعله يجن؟ الحسد! نعم.. يجب أن أزرع في قلبه الحسد، فالحسد أقرب طريق للجنون، تلفّتُ فرأيتُ رجلًا يمر بسيارة باهظة الثمن، ناديته: “هذا الرجل يملك الكثير من المال، لماذا هو أفضل منك! فلتنحني إحدى إطارات سيارته وليتحول إلى أسفلت تحتها”.
سمعني ثمّ رأيته يلتفت إلى السيارة وصاحبها، شعرتُ بالسعادة فقد ظننتُ أنّ الحسد سيلج قلبه.
توقّف الرجل، فاقتربت منه، لابد وأنّه أصبح سهلًا الآن، اقتربت منه أكثر، رأيته ينحني على أحد الأرصفة، يفتح علبة الماء التي في يده، يمشي بهدوء باتجاه أحد الجدران، يصب بعض الماء على علبة فارغة بجانب كلب مبتور الأطراف، فيشرب الكلب، لم أكن ملتصقًا به لكني شعرت بالماء كأنّما يصب فوق رأسي، أطلقتُ رجلي للريح ولم تمضِ ربع ثانية إلا وأنا ألهث داخل غرفتي وسط بطن الحوت في المحيط الأطلسي.
اليوم:
مهمة اليوم معك أنت، نعم أنت عزيزي القارئ! فهأنذا أجلس على كتفك، أدخن سيجارتي، وتداعب أناملي خصلات شعرك اللزجة، وأقرأ معك هذه السطور.
لقد زجرني المدير كثيرًا البارحة ولا أُريد أن يزجرني اليوم أيضًا، لذلك أرجوك أن تركّز معي قليلًا لأنفذ مهمتي، ولا تسألني ما هي، ركّز قليلًا وستعرفها!