لم تكُن سعاد بحالة سيئة عندما أمسكت بالدفتر في المساء بعد أن وضعت أمامها كوباً كبيراً من الشوكولاتة الساخنة، بل على العكس كانت سعيدة جداً، بالرغم من طبيعة اليوم الذي مرّت به، فتحت الدفتر وبدأت بالكتابة:
(أخيراً وجدتُ فرصة رائعة للكتابة، فقد ذهب أهلي لعزاء في القرية وتركوني بمفردي في المنزل، ولأوّل مرة منذ فترة طويلة أحظى بوقت أقضيه بمفردي، ولأجل الاستمتاع بهذه اللحظات التي لا تعوّض قررتُ أن أكتب، حياتي عادية وربّما لا يوجد هناك ما يستحق أن أكتب عنه، لذلك سأكتفي بالحديث عن يومي الذي لا يختلف عن بقية الأيّام.
في الصباح شعرتُ بالعذاب عندما أيقظتني أمّي الساعة السادسة لأُخرج أخي الى حافلة المدرسة، أخبرتها أنّي مرهقة فأنا لم استطع النوم الا بعد صلاة الفجر بسبب حرارة الجو وانطفاء الكهرباء، صرخت وشتمتني، ونعتتني بالكسولة، ثمّ سحبت الغطاء منّي ورمتني بالمفتاح، وقفتُ راكضة، لم أغسل وجهي، وإنّما لبستُ العباءة، تعثّرت بملابس كانت مرمية على الأرض، ثمّ وقفت على الفور، لبستُ العباءة، علا صوت بوق الحافلة، سمعت صوت أقدام أبناء سُكّان العمارة وهم يركضون خارجين السلّم، زجرتني أمّي لأسرع والا فلن يلحق أخي الحافلة، أردت تعديل العباءة لكنّ أمي لم تدع لي مجال، لبستُ الطرحة، ذهبت لأخذ البرقع لكنّي لم أعثر عليه، علا صوت أمي مرة أخرى، بحثتُ عن البرقع في علّاق الملابس وخلف الباب، وعلى الأرض ثمّ في الصالة، ركضت الى غرفة أمي فرأتني وصرخت بصوت أشد صخباً، غطيت وجهي بطرف الطرحة وركضت باتجاه الباب، لم أجد حذاءي، لبستُ حذاء والدي، أمسكت بيد أخي، واتجهتُ به راكضة الى الحافلة فلم نجدها، رمت أمي لي برقعها من الشباك وأمرتني ان اصطحبه بالحافلات المّارة ففعلت، عندما خرجتُ من الحافلة بعد وصولنا الى المدرسة تذكّرت بأنّي لا أملك نقوداً، اعتذرت لصاحب الباص الذي اكتفى بالقاء نظرات استحقار نحوي، لم أرد أن أركب حافلة عامة فأتعرض للإحراج مرّة أخرى لذلك قررت المسير، قطعت مسافة طويلة، لاحظتُ رجلاً يمشي خلفي، شككتُ أنّه يلاحقني، أسرعتُ خطواتي بينما أتلفت للخلف لأرى ما إن كان لا يزال موجود أم سلك طريقاً أخرى، أثناء تلفّتي لم أنتبه لوجود ماء بالوعة يجري تحتي، لم أشعر سوى بقدماي وهما تغوصان داخل الأوساخ، لم يحتمل قلبي الرائحة واللزوجة على قدمي وأسفل عباءتي وبيجامتي، فبكيتُ بكاءً مريراً وتابعت المشي، أسرعتُ الخطى الى أن وصلت المنزل، عندما وصلت وجدتُ أمّي تنتظرني عند الباب، أخبرتني أنّ المدرسة قد اتصلوا وأخبروها أنّ فصل أخي اليوم في إجازة اعطوها لهم مسبقاً ليذاكروا خلال هذا اليوم، صعدتُ المنزل، أخبرتُ أمّي بقصة سقوطي في البركة، شتمتني مجدداً، لأنّي لم آخذ النقود التي رمتها من الشبّاك مع البرقع، حلفتُ لها أنّى لم أرى النقود ولم أعلم بأنّها قد رمتها لي، حلفت يميناً أنّها لن تعطيني غيرها، بل يجب أن أخرج وأبحث عنها ثمّ أمضي بها لإحضار أخي، غيّرت ملابسي وأخذت هاتفي، خرجت الى الشارع وبحثت عن النقود ولم أجدها، فكّرت في العودة الى أمي لكنّي لم أفعل، دققت باب الجيران وبكل حرج استلفت منهم أجرة الحافلة، عدتُ الى المدرسة وأخذت أخي.
عندما وصلت البيت كُنت مرهقة جداً، ولحسن حظي أنّ التيّار الكهربائي قد عاد، لم أمشي بخطوات الى الفراش وإنما قفزتُ اليه من العتبة، لم أرتطم بالفرش الاسفنجي وإنّما ارتطمتُ بجسدٍ ما، ثمّ سمعتُ صوت صراخ، أبعدتُ الشراشف فاذا بابن أختي تحت الشراشف، أخذ يصرخ بصوت هستيري، استيقظت أُختي من النوم، وشاركته الصراخ، ليس ألماً ولا مؤازة وإنّما غضباً منّي:
يا حمارة، يا كلبة، يا عورة، كسرتِ عظام السُقلة.
قضيت نصف ساعة أتجادل معها، وأخبرتها بأنّها لم تكن غلطتي، فهو من نام في فراشي، لكنّها كالعادة كسبت الجدل، بالرغم من أنّ أمي قد وقفت في صفّي هذه المرة، ربما المرة الأولى في التاريخ.
أبعدت الشراشف بعد أن غادر ابن أختي الفراش، تسللتُ بهدوء الى الفراش، ثمّ استلقيت وفور وصول رأسي المخدّة طُفأ التيار الكهربائي، قضيت ساعة في محاولة نوم يائسة، كنت كالجسد بلا روح، لم أستطع النهوض لشدة الإرهاق والتعب، أمّا النوم فقد أصبح بعيد المنال، كميّة العرق التي خرجت من جسدي لو سكبت في خزان ماء لملأته، حملتُ شراشفي وتسللت إلى السطح، كنت حذرة جداً لكي لا تراني أمي وأختي فيأمراني بنسيان أمر النوم وحمل المكنسة، في السطح بحثت عن قليل من الظل لأنام، لعلّ الشمس ترحمني فتخفف حرارتها والرياح تتعاطف معي فترسل زمهريرها، وأخيراً وجدتُ جدار أسفله ظل، استلقيتُ أسفله، كان الجو أفضل من الأسفل بقليل، لم تمضي دقائق حتى بدأت بسماع صوت أزيز بعيد، اقترب الصوت ثمّ ارتفع أكثر، جميع أسراب البعوض في العالم تجمّعت تلك اللحظة فوق رأسي، ثمّ أخدت تلدغني لدغات متواصلة في كل خلية من خلايا جسدي، حملتُ الشراشف، وركضت الى الأسفل، والأسراب تلحقني، دخلت الصالة وأغلقت الباب بسرعة، التفت الى الداخل وتنهّدت، فاذا بأمي وأختي تقفان أمامي.
واه تلقين في السطح؟ معاده وقت نوم، يلا حملي المكنسة.
لم يكن هناك مجال للرفض:
– طيب، بتغسل أولاً، ببرد شوي
– بتتغسلين بواه؟ الماء مقطوع من الصبح يا الهبلة!
بعد الغداء أتى اتصال من القرية يخبرنا أن زوج ابنة خالي قد توفّي، رحمه الله، ذهب أبي مسرعاً للحجز لنا في الحافلة الى مدينة عدن للحاق بالدفن، لم يجد حجزاً كافياً، كان ينقصنا مقعداً واحداً، لم يكن هناك مجال للتأجيل فالدفن سيفوت، ولم يكن هناك مجال للسفر عبر مطار الريّان فالرحلات الى عدن مرّة في الأسبوع وبتكلفة عالية جداً، بعد تفكير وجدوا أن يتركوني في البيت ويذهبوا جميعاً، حمدتُ الله كثيراً، فهي فرصة لي لأقضي بضعة أيّام بدون كنس، بدون تنمّر، وبدون شتائم، ساعدتُ أمّي وأختي وأبي في تجهيز حقائبهم، وبعد أن غادروا شعرت بكمية سعادة لم أشعر بها من قبل، هذا ما حدث خلال يومي، والآن سأتوقُّف عن الكتابة وأذهب لأنام لألحق التيّار الكهرباء الذي عاد الآن، وسينطفئ بعد ساعتين أو أقل، سألحق هذه الساعتين، فما أعظم نعمة النوم لساعتين متواصلة!)
أغلقت سعاد دفترها وأخفته في مكان لا يعلم عنه أحد وذهبت للنوم في فرح واطمئنان، أطفئت الضوء، واستلقت فذهبت في سبات عميق، دخلت جو الأحلام الجميلة، رأت نفسها تستلقي على سرير ذو وساد وثيرة، رأت نفسها تتجوّل تحت المطر، رأت أمها تحتضنها وتطبع قبلة على جبهتها، رأت أختها تعطيها مبلغاً لا تحلم به من النقود التي وصلتها من زوجها المغترب..
قطع أحلامها شعور دغدغة في باطن قدميها، فتحت عيناها، لازال شعور الدغدغة مستمر، حاولت النهوض لكنّ جسمها كان متجمّد، حاولت الصراخ، لسانها كانت أيضاً متجمّدة، شعرت بالأصابع التي تدغدغها تمسك بقدميها، حاولت النهوض مجدداً دون فائدة، شعرت بجسمها ينزلق تلك اللحظة، كانت الأيادي الغير مرئية تسحبها، لم يكن هناك ضوء فالكهرباء قد طفئت قبل استيقاظها، لم تستطع رؤية شيء لشدّة الظلام، بعد محاولات عديدة استطاعت لسانها التحرّك كأنّما قد ذابت من تجمّدها، أخذت تصرخ، لكنّ الأيادي المخفية لم تتوقف عن السحب، بل جرتها الى خارج الغرفة، استمرّت في الصراخ فاذا بصوت قهقهات يوازي صوت صرخاتها، عرفت الصوت، نعم إنّه صوت الجن اللذين يسكنون والدها، لابد وأنّهم لم يسافروا معه بل بقوا معها في البيت، أخذت تناجي بصوتٍ عالٍ:
– أرجوكم فكوني.. أني عايشة في اليمن.. رحموني.. اللي فيني مكفيني.. خلاص شياطين الأنس قامو بدوركم.. معاد شي داعي تلقون شي أنتم.. يا شياطين الجن! حرام عليكم.. محد بيفكني منكم له!.. وين الناس؟ وين العالم؟ وين العيشة؟ وين الحياة؟ يا أمي.. يا أبوي.. يا إيناس.. يا سالم! لحقوني.. وينكم؟ يا ناس! يا عالم! يا هو!